حسن الأمين

268

مستدركات أعيان الشيعة

الاصطياف في جبل عامل في خلال ما مر من الأحداث كانت الأسرة تنتقل في أغلب الأعوام إلى جبل عامل في الصيف . وإذا كنت قد تحدثت عن انتقالنا في إحدى المرات من دمشق إلى جبل عامل عن طريق القنيطرة وكان هذا الانتقال في العربات حتى القنيطرة ، ثم على الدواب من القنيطرة إلى شقرا ، فإنني أقول هنا أننا صرنا في عهد انتشار السيارات وتكاثرها لذلك أصبحت الرحلة من دمشق إلى بيروت تتم في السيارة وأحيانا في القطار . وبالرغم من بطء قطار دمشق - بيروت فقد كان مألوفا في السفر إلى بيروت لأن السيارات لم تبلغ من الكثرة حدا يلغي السفر في القطار . أما بالنسبة لنا فان تكاثر السيارات قد سهل لنا الانتقال فيها من بيروت حتى صور . وبذلك لم يعد السفر بطريق القنيطرة ذي موضوع لأن المسافة منها إلى شقرا على الدواب سفر طويل . وبسلوكنا طريق بيروت - صور كان علينا أن نأخذ الدواب من صور حتى شقرا . لذلك كنا نأخذ سيارة تضم العائلة كلها إلى بيروت أو نأخذ القطار بدل السيارة . ثم نأخذ السيارة من بيروت إلى صور . وفي صور نبيت ليلتنا . وكان الوالد يختار منزل الشيخ عز الدين علي عز الدين . وهو رجل على جانب كبير من الشهامة والكرم والنبل . وهو سليل أسرة علمية دينية من أشهر أسر جبل عامل . وتكون قد وصلته برقية من الوالد ليرسلها إلى شقرا لتكون الخيل جاهزة في صور . وفي الصباح نأخذ الخيل مواصلين السير في الآكام والجبال والوهاد ممضين ما لا يقل عن سبع ساعات بين صور وشقرا . مفوض سام جديد نقل الفرنسيون مفوضهم السامي الجنرال ويغان . وجاء مفوض جديد هو الجنرال ساراي ووصل في 22 كانون الأول 1924 . وكنت أتابع الأحداث أكثر ما أتابعها من خلال جريدة المفيد كما مر . جاء ساراي ، وبدت تصريحاته باعثة للأمل ، كما أعلن عن إجراءات جديدة كانت تبدو فيها عقلية جديدة تختلف عن السابق . وظهر بتصرفات في لبنان جعلت فريقا من الموالين للفرنسيين على حذر منه ، ثم على نفرة ومقاومة . وكانت الأوضاع في دمشق قد أخذت بالتبلور ، وبدأ فريق من الوطنيين العاملين يستقطبون الرأي العام ويتكتلون ويجتمعون . وشجعت تصريحات ساراي وتصرفاته على التجمع والتذاكر . فكان أن تألف وفد دمشقي للذهاب إلى بيروت ونقل المطالب الوطنية للمفوض الجديد . وعاد الوفد متفائلا وكان مما دعاهم إليه المفوض هو تأليف الأحزاب ، فكان لهذه الدعوة أثرها البالغ . وتدارس الوطنيون الوضع فقرروا تأليف حزب سياسي وطني يقود الحركة الوطنية ويعمل على تنظيمها . وكانت حوادث ( كراين ) التي تقدم ذكرها قد بلورت الزعامة الوطنية ، وكان للذين اعتقلوا في أرواد ثم عفي عنهم وعادوا إلى دمشق مكان الصدارة ، وكان يتقدمهم ثلاثة عبد الرحمن شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم . فكان هؤلاء الثلاثة زعماء الحزب الجديد الذي أطلق عليه اسم ( حزب الشعب ) وانتخب عبد الرحمن شهبندر رئيسا له وإحسان الشريف أمينا عاما ، ثم أصبح حسن الحكيم هو الأمين العام واحتفل الحزب بانشائه احتفالا شعبيا خطب فيه فيمن خطب فارس الخوري الذي كان من أبرز رجال الحزب . واستقطب الحزب كل المتحسسين بالفكرة الوطنية المتحمسين لها وأصبحت جريدة المفيد لسان الحزب دون أن تسمي نفسها بذلك . وكانت تصل إلينا أنباء لبنان وما يلاقيه سراي من مقاومة عنيفة من الأكليروس الماروني ومن يقول بقوله ، حيث امتنع ساراي عن أن يخص البطريرك الماروني بما كان يخصه به أسلافه وامتنع عن ابتدائه بالزيارة ، وأعلن أن في لبنان كذا من رجال الدين فلن يقضي وقته في زيارتهم . وكان قد عزل حاكم لبنان الفرنسي وعين مكانه حاكما فرنسيا جديدا يقول بقوله ويرى رأيه . وكانت اتجاهات ساراي ومعاونيه اتجاهات لا نقول إنها أقرب إلى تشجيع العمل الوطني ، بل يمكن القول أنها غير شرسة في مقاومته ، وكان أبعد عن الروح الاستعمارية المتغطرسة لولا الظروف الفريدة التي انفجرت فجاة كما سيأتي . والحملة اللبنانية على ساراي كان يقودها صنائع الاستعماريين الفرنسيين وبعض المتعصبة الحقودين الذين رأوا في تصرفات ساراي شيئا لم يالفوه من قبل . ويؤسفني أن أذكر أن ما ينسب إلى أصحاب بعض الصحف اللبنانية من مواقف في مواجهة حاكم لبنان الجديد ( كايلا ) ، ليست في بواعثها مما يشرفهم ، فقد كان ميشال زكور يصدر مجلة المعرض الأسبوعية فتصدت للسياسة الجديدة التي بدأها ساراي وأخذ يطبقها ( كيلا ) ، ولم يكن تصديها هذا عن دوافع وطنية ، بل عن دوافع إقليمية طائفية ضيقة لا تشرف أصحابها . وإلا فأين كان ميشيل زكور وأين كانت المعرض في عهد غورو أو ويغان ؟ . كنت أتابع أخبار حزب الشعب بشغف شديد ، وأقرأ مقالات نجيب الريس اليومية في حديث اليوم في جريدة المفيد ومقالات يوسف حيدر التي كان يكتبها كل يوم ومقالات شقيقه سعيد حيدر التي كانت تظهر بين الحين والحين . ولكن الجريدة لم تسلم هذه المرة أيضا من التعطيل ، وأذكر أنه جاء الصيف صيف سنة 1925 والمفيد معطلة . وأن موعد سفرنا إلى جبل عامل قد حل والمفيد معطلة . إلى جبل عامل وتركنا دمشق هذه المرة في سيارة مضت في طريق بيروت ثم انحرفت قبل الوصول إلى بيروت واصلة إلى صيدا ، ولا أدري الآن من أين انحرفت السيارة ، وما هو الطريق الذي سلكته فأوصلها إلى صيدا ووفر عليها مسافة كان لا بد لها من قطعها لتصل إلى بيروت ثم تخرج منها إلى صيدا . ومن صيدا وصلنا إلى صور . ولم نبت هذه المرة فيها في منزل